محمد غازي عرابي

856

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة يس ( 36 ) : آية 9 ] وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 ) [ يس : 9 ] السد إلهام الاسم ، فالإنسان يفكر ، وتفكيره مستمد من حضرة مزدوجة هي الكيان الإنساني ، أو كما قال سبحانه : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ الأعراف : 189 ] ، وعلى هذا فالخيرة في ما اختار اللّه ، ما كان لهم الخيرة ، ولقد عرفنا الإنسان في كتابنا الإنسان الكبير بأنه جهاز استقبال وإرسال مصطنع للقائد الأعلى . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 10 ) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 ) [ يس : 10 ، 11 ] المغضوب عليهم مختومون بالشقاوة ، وهؤلاء لا ينفع فيهم الإنذار والنصح ، وقد قال سبحانه من قبل مخاطبا نوحا عليه السّلام : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [ هود : 36 ] . [ سورة يس ( 36 ) : آية 12 ] إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ( 12 ) [ يس : 12 ] إحياء الموتى بعث الغافلين من مرقدهم ، والإشارة إلى أهل التوحيد ، وهم أمة قديمة ترجع إلى عهد آدم ، وكتابة ما قدموا وآثارهم تعني سبق القضاء للقدر ، فالقضاء محكم والقدر مبرم ، واللّه عليم بما كان من قبل أن يكون ، وهو الذي قضاه ، والإمام لوح القضاء نفسه ، وسمي اللوح المحفوظ ، وكونه محفوظا أن اللّه الآمر من قبل ومن بعد ، وما أحداث الحياة إلا خروج ما سطر في هذا اللوح أزلا هو الأزل الإلهي لا شريك له ولا خروج عليه ، يقول إسبينوزا : الأشياء تتعلق بإرادة اللّه ، ولا يمكن تغيير ما تقوم عليه الأشياء إلا بتغيير إرادة اللّه ، وإرادة اللّه لا يلحقها تغيير ، لأن هذا ينافي الكمال ، إذن لا يلحق الأشياء تعديل ولا تغيير . [ سورة يس ( 36 ) : آية 13 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 ) [ يس : 13 ] قلنا القرية البدن ، فأصحاب القرية قوى البدن من حواس ظاهرة وباطنة ، والمرسلون الجنود من الملائكة الذين سمّوا في الفلسفة الأفكار القبلية والمعقولات الأزلية والكليات العقلية ، والمرسلون من الملائكة يأتون بهذه المعقولات القلب الذي هو جوهر البدن وحقيقته ومحل السر الإلهي العظيم الذي قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( قلب المؤمن من عرش اللّه ) ، ونضيف بل القلوب جميعا عرشه وكرسيه وسماؤه وأرضه ، سبحانه خلق الإنسان ، علمه البيان ، ليشرق الوجدان بنور العلم والإيمان . [ سورة يس ( 36 ) : آية 14 ] إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ( 14 ) [ يس : 14 ]